الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

243

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولم تعطف بخلاف ما تقدم آنفا في قوله : فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ [ هود : 27 ] . وافتتاح مراجعته بالنداء لطلب إقبال أذهانهم لوعي كلامه ، كما تقدم في نظيرها في سورة الأعراف ، واختيار استحضارهم بعنوان قومه لاستنزال طائر نفورهم تذكيرا لهم بأنه منهم فلا يريد لهم إلّا خيرا . وإذ قد كان طعنهم في رسالته مدلّلا بأنهم ما رأوا له مزية وفضلا ، وما رأوا أتباعه إلّا ضعفاء قومهم وإن ذلك علامة كذبه وضلال أتباعه ، سلك نوح - عليه السلام - في مجادلتهم مسلك إجمال لإبطال شبهتهم ثم مسلك تفصيل لردّ أقوالهم ، فأما مسلك الإجمال فسلك فيه مسلك القلب بأنهم إن لم يروا فيه وفي أتباعه ما يحمل على التصديق برسالته ، فكذلك هو لا يستطيع أن يحملهم على رؤية المعاني الدالة على صدقه ولا يستطيع منع الذين آمنوا به من متابعته والاهتداء بالهدي الذي جاء به . فقوله : أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي إلى آخره . معناه إن كنت ذا برهان واضح ، ومتصفا برحمة اللّه بالرسالة بالهدى فلم تظهر لكم الحجة ولا دلائل الهدى ، فهل ألزمكم أنا وأتباعي بها ، أي بالإذعان إليها والتصديق بها إن أنتم تكرهون قبولها . وهذا تعريض بأنهم لو تأملوا تأملا بريئا من الكراهية والعداوة لعلموا صدق دعوته . و أَ رَأَيْتُمْ ، استفهام عن الرؤية بمعنى الاعتقاد . وهو استفهام تقريري إذا كان فعل الرؤية غير عامل في مفرد فهو تقرير على مضمون الجملة السادة مسدّ مفعولي ( رأيتم ) ، ولذلك كان معناه آئلا إلى معنى أخبروني ، ولكنّه لا يستعمل إلّا في طلب من حاله حال من يجحد الخبر ، وقد تقدم معناه في قوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً في سورة الأنعام [ 47 ] . وجملة إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي إلى قوله تعالى فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ معترضة بين فعل أَ رَأَيْتُمْ وما سدّ مسد مفعوليه . والاستفهام في أَ نُلْزِمُكُمُوها إنكاري ، أي لا نكرهكم على قبولها ، فعلق الإلزام بضمير البينة أو الرحمة . والمراد تعليقه بقبولها بدلالة القرينة . والبينة : الحجة الواضحة ، وتطلق على المعجزة ، فيجوز أن تكون معجزته الطوفان ، ويجوز أن تكون له معجزات أخرى لم تذكر ، فإن بعثة الرسل - عليهم السّلام - لا تخلو من معجزات .